القرطبي
81
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها . وقالت طائفة : الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل ( 1 ) : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه ، فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث . وقال علقمة بن الفغواء عن أبيه - وهو من الصحابة ، وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك : نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان لا يعمل عملا إلا وهو على وضوء ، ولا يكلم أحدا ولا يرد سلاما إلى غير ذلك ، فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال . وقالت طائفة : المراد بالآية الوضوء لكل صلاة طلبا للفضل ، وحملوا الامر على الندب ، وكان كثير من الصحابة منهم ابن عمر يتوضئون لكل صلاة طلبا للفضل ، وكان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد ، إرادة البيان لامته صلى الله عليه وسلم . قلت : وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحبا لا إيجابا وليس كذلك ، فإن الامر إذا ورد ، مقتضاه الوجوب ، لا سيما عند الصحابة رضوان الله عليهم ، على ما هو معروف من سيرتهم . وقال آخرون : إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة ، وهذا غلط لحديث أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة ، وأن أمته كانت على خلاف ذلك ، وسيأتي ، ولحديث سويد ابن النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو بالصهباء ( 2 ) العصر والمغرب بوضوء واحد ، وذلك في غزوة خيبر ، وهي سنة ست ، وقيل : سنة سبع ، وفتح مكة كان في سنة ثمان ، وهو حديث صحيح رواه مالك في موطئه ، وأخرجه البخاري ومسلم ، فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة . فإن قيل : فقد روى مسلم عن بريدة بن الحصيب ( 3 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد ، ومسح على خفيه ، فقال عمر رضي الله عنه : لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن
--> ( 1 ) كذا في الأصول . والغسيل هو حنظلة رضي الله عنه نفر حين سمع الهائعة وهو جنب فاستشهد فغسلته الملائكة . ( 2 ) الصهباء : موقع قرب خيبر . ( 3 ) في أسد الغابة : الحصيب بضم المهملة وفتح الصاد .